بقلم: صهيب الجراح | Principal Cyber Security Engineer
لم تعد الحروب بين الدول تقتصر على الحدود الجغرافية والأسلحة التقليدية، بل امتدت إلى فضاء رقمي أصبحت فيه المعلومات والأفكار والاتجاهات الاجتماعية أدوات يمكن استخدامها لتحقيق أهداف استراتيجية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي قلب هذا التحول، برزت عمليات التأثير المعلوماتي التي تنفذها جهات حكومية أو مجموعات مرتبطة بها، مستخدمة منصات التواصل الاجتماعي لنشر روايات محددة، والتأثير في الرأي العام، وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات.
وقد لا يكون الهدف دائماً إقناع الناس بفكرة جديدة، بل أحياناً إضعاف الثقة بالمؤسسات، وزيادة الشكوك بين أفراد المجتمع، وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى صراعات وعداوات مستمرة.
ما المقصود بوحدات التأثير الرقمي التابعة للدول؟
هي فرق أو شبكات تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لخدمة أهداف سياسية أو استراتيجية لدولة معينة، وقد تكون جزءاً من مؤسسات حكومية أو أجهزة استخبارات أو شركات متعاقدة أو مجموعات تعمل بالوكالة.
وفي الدراسات الأمنية يُستخدم مصطلح عمليات التأثير (Influence Operations) لوصف الأنشطة الهادفة إلى التأثير في تصورات الجمهور وسلوكه.
أما مصطلح التلاعب والتدخل الأجنبي بالمعلومات (FIMI) فيشير إلى الأنشطة المتعمدة والمنسقة التي تتضمن أساليب تضليلية أو تلاعبية، ويمكن أن تنفذها جهات حكومية أو غير حكومية.
ومن المهم التمييز بين التعبير السياسي المشروع، حتى لو كان حاداً، وبين الحملات السرية التي تنتحل الهويات أو تنسق التضليل لخداع الجمهور.
كيف تعمل شبكات التأثير على منصات التواصل الاجتماعي؟
1. إنشاء هويات وحسابات غير أصيلة
قد تنشئ بعض الشبكات حسابات تبدو وكأنها لمواطنين عاديين أو ناشطين أو شخصيات مستقلة.
وتنشر هذه الحسابات محتوى يومياً طبيعياً لبناء حضور رقمي، ثم تبدأ تدريجياً بالمشاركة في موضوعات سياسية أو اجتماعية حساسة.
الهدف من ذلك قد يكون منح الرسائل الموجهة مظهراً شعبياً مستقلاً وإخفاء الجهة التي تقف خلفها.
2. تضخيم الخلافات الاجتماعية
قد تستغل حملات التأثير قضايا موجودة بالفعل داخل المجتمع، مثل التفاوت الاقتصادي أو الخلافات السياسية أو التوترات الاجتماعية.
ولا يتطلب نجاح هذا الأسلوب اختراع مشكلة من الصفر؛ بل يكفي أحياناً انتقاء أحداث معينة، وتقديمها بصورة مجتزأة، وتكرار التفسيرات الأكثر إثارة للغضب.
وقد تعمل حسابات مرتبطة بالحملة على تضخيم مواقف متعارضة في الوقت نفسه، بحيث يبدو الخلاف أكبر وأكثر انتشاراً مما هو عليه في الواقع.
3. نشر المعلومات المضللة والمحتوى المجتزأ
لا تعتمد جميع عمليات التضليل على أخبار كاذبة بالكامل.
فقد يُستخدم تصريح صحيح خارج سياقه، أو صورة قديمة على أنها حديثة، أو معلومة جزئية مع إخفاء التفاصيل التي تغير معناها.
هذا المزج بين الصحيح والمضلل يجعل اكتشاف التلاعب أكثر صعوبة، خاصة عندما يتكرر المحتوى عبر عشرات الحسابات والصفحات.
4. التفاعل المصطنع والتضخيم المنسق
يمكن استخدام شبكات من الحسابات لإعادة نشر المحتوى والتعليق عليه بصورة متزامنة، بهدف خلق انطباع بأن رأياً معيناً يحظى بتأييد واسع.
وتكمن الخطورة في الخلط بين الانتشار المصطنع والتأييد الحقيقي.
لكن كثرة التعليقات أو التشابه بين الآراء لا يكفيان وحدهما لإثبات وجود حملة حكومية منظمة؛ فالإسناد يحتاج إلى تحليل تقني وأدلة مترابطة.
5. انتحال المؤسسات الإعلامية والشخصيات العامة
قد تُنشأ مواقع أو حسابات تشبه مؤسسات إعلامية معروفة، أو تُستخدم أسماء وصور شخصيات عامة لنشر بيانات أو تصريحات ملفقة.
وقد يؤدي ذلك إلى انتقال المعلومات المضللة من حساب مجهول إلى مجموعات ومستخدمين حقيقيين يعيدون نشرها بحسن نية.
الذكاء الاصطناعي ودوره في حروب التأثير
أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرات جديدة إلى عمليات التضليل والتأثير المعلوماتي.
فأصبح من الممكن إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية بكميات كبيرة، وإنشاء شخصيات رقمية وهمية تبدو متماسكة في أسلوبها وتاريخ نشاطها.
كما يمكن استخدام التزييف العميق (Deepfake) لانتحال صوت شخصية معروفة أو تركيب مقطع مرئي يوحي بأنها أدلت بتصريحات لم تصدر عنها.
وتشير تقارير Microsoft الخاصة بالأمن الرقمي إلى رصد استخدامات متقدمة للذكاء الاصطناعي في أنشطة التأثير المرتبطة بجهات حكومية، ومنها انتحال شخصيات إعلامية وإنشاء وسائط اصطناعية.
ومع ذلك، لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن حملات التأثير تنجح تلقائياً؛ فانتشار المحتوى أو إنتاجه بكثافة لا يثبت حدوث تغيير فعلي في قناعات الجمهور.
كيف يمكن أن تؤثر هذه العمليات في المجتمعات؟
تتعدد الأهداف المحتملة وفقاً للسياق والجهة المنفذة، ومنها:
- إضعاف الثقة بالمعلومات والمؤسسات العامة.
- تأجيج التوترات والخلافات الاجتماعية القائمة.
- تشويه سمعة شخصيات أو مؤسسات.
- خلق انطباعات مضللة حول شعبية مواقف معينة.
- التأثير في النقاشات المتعلقة بالأزمات والصراعات.
- زيادة الارتباك وصعوبة التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.
وقد يستمر أثر بعض الحملات حتى بعد كشف الحسابات الوهمية، لأن المعلومات التي نُشرت قد تكون انتقلت بالفعل إلى مستخدمين حقيقيين أو منصات أخرى.
هل توجد عمليات موثقة من هذا النوع؟
نعم. وثّقت شركات تقنية وجهات بحثية ورسمية شبكات تلاعب معلوماتي منسقة، وبعضها نُسب إلى جهات مرتبطة بدول.
ففي تقريرها الرابع الصادر في مارس 2026، أعلنت دائرة العمل الخارجي الأوروبية أنها رصدت 540 حادثة تلاعب وتدخل معلوماتي خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وتحدثت عن توظيف آلاف القنوات والمواقع لإنتاج المحتوى أو تضخيمه.
كما نشرت شركة Meta تحقيقات بشأن شبكات سلوك منسق غير أصيل (Coordinated Inauthentic Behavior)، تتضمن استخدام حسابات وشخصيات وهمية والتضخيم المصطنع للتفاعل.
وتشير هذه التقارير إلى وجود تهديد حقيقي، لكنها لا تبرر اتهام أي حساب أو مجموعة أو دولة بعينها دون أدلة محددة وقابلة للتحقق.
كيف نكتشف حملات التأثير المنسق؟
يعتمد تحليل هذه العمليات على الجمع بين الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) وتحليل الشبكات والسلوك الرقمي والتحقق من المحتوى.
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق الفحص:
أولاً: التشابه غير المعتاد في النشر
ظهور رسائل متطابقة أو متقاربة جداً عبر حسابات عديدة خلال فترات زمنية متقاربة.
ثانياً: أنماط التفاعل المصطنع
وجود مجموعات حسابات تعيد نشر الرسائل نفسها باستمرار، أو تتفاعل بصورة متبادلة بطريقة غير اعتيادية.
ثالثاً: الهويات الرقمية غير الموثوقة
استخدام صور شخصية منشأة اصطناعياً، أو بيانات تعريف متناقضة، أو انتحال هويات مؤسسات وأشخاص.
رابعاً: المصادر والمواقع المتداخلة
إعادة تدوير المحتوى بين صفحات ومواقع تبدو مستقلة، لكنها قد تشترك في بنية تشغيلية أو روابط تقنية.
خامساً: التلاعب بالسياق
استخدام مواد قديمة أو محررة أو منسوبة إلى مصادر غير أصلية لإنتاج روايات مضللة.
لا يكفي مؤشر منفرد لإثبات وجود شبكة تلاعب. فالتحليل المهني يتطلب أدلة متعددة، وتقييم التفسيرات البديلة، والتمييز بين النشاط المنسق غير الأصيل والنشاط الجماعي المشروع.
كيف نحمي المجتمع من التلاعب الرقمي؟
تبدأ المواجهة ببناء الوعي الرقمي، وليس بمراقبة الآراء أو منع الاختلاف.
ومن أهم الممارسات الوقائية:
- التحقق من المصدر الأصلي للمعلومات قبل مشاركتها.
- مراجعة تاريخ الصور ومقاطع الفيديو وسياق نشرها.
- عدم اعتبار كثرة الإعجابات والتعليقات دليلاً على صحة المحتوى.
- الحذر من المنشورات التي تستخدم الخوف أو الغضب الشديد لدفع المستخدم إلى المشاركة الفورية.
- مقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة وموثوقة.
- استخدام أدوات الإبلاغ عن انتحال الهوية والتلاعب المنسق.
- دعم التربية الإعلامية والقدرة على التفكير النقدي.
وعلى مستوى المؤسسات، تساعد فرق الأمن السيبراني والاستخبارات الرقمية في رصد الحملات المنظمة وتحليل مصادرها، مع احترام الخصوصية وحرية التعبير والحقوق القانونية.
الخلاصة
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مجالاً يمكن أن تُنفذ فيه عمليات تأثير معلوماتي منظمة لخدمة مصالح سياسية واستراتيجية، بما في ذلك حملات مرتبطة بدول أو بجهات تعمل بالوكالة عنها.
ولا تكمن خطورة هذه العمليات في نشر معلومة مضللة واحدة، بل في إمكانية استخدام شبكات من الحسابات والمواقع والوسائط الاصطناعية لخلق صورة مشوهة عن الواقع وتعميق الانقسامات الاجتماعية.
إن حماية المجتمع من حروب التأثير لا تعني منع الاختلاف في الرأي، بل حماية حق الناس في تكوين آرائهم بناءً على معلومات صحيحة ومصادر واضحة، بعيداً عن الخداع والتلاعب المنظم.
فالأمن السيبراني اليوم لم يعد مقتصراً على حماية الأجهزة والشبكات والبيانات؛ بل يشمل أيضاً فهم التهديدات التي تستهدف سلامة البيئة المعلوماتية والثقة الرقمية.
المراجع والمصادر
استند المقال إلى تقارير ودراسات منشورة من جهات متخصصة في الأمن الرقمي والتلاعب بالمعلومات:
-
European External Action Service (EEAS)
معلومات حول التلاعب والتدخل الأجنبي بالمعلومات (FIMI).
الاطلاع على المصدر الرسمي -
EEAS — 4th FIMI Threat Report (2026)
التقرير الرابع حول تهديدات التلاعب والتدخل المعلوماتي.
قراءة التقرير -
Microsoft Digital Defense Report 2025
تقرير مايكروسوفت عن التهديدات الرقمية والأنشطة السيبرانية المرتبطة بجهات حكومية.
الاطلاع على التقرير -
Meta — Coordinated Inauthentic Behavior Research
تحقيقات تقنية حول شبكات الحسابات غير الأصيلة والتأثير المنسق.
الاطلاع على البحث
