بقلم: صهيب الجراح | Principal Cyber Security Engineer
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، ولم يعد تبادل الصور ومقاطع الفيديو مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى سلوك متكرر يرتبط بالعادات الاجتماعية والرغبة في الحفاظ على العلاقات الرقمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ميزة الستريك (Snapstreak) في تطبيق سناب شات (Snapchat)، التي تشجع المستخدمين على تبادل الصور أو الفيديوهات يومياً للمحافظة على عدد الأيام المتواصلة.
قد يبدو إرسال صورة يومية أمراً بسيطاً، إلا أن التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والتزييف العميق (Deepfake) أوجد مخاطر جديدة تتجاوز إعادة نشر الصور أو مشاركتها دون إذن. فأصبحت بعض الصور الشخصية قابلة للاستغلال في صناعة محتوى مزيف، وانتحال الهوية، وتشويه السمعة، وفي بعض الحالات الابتزاز الإلكتروني.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يدرك مستخدمو الستريك أن الصور العادية التي يرسلونها اليوم قد تُستخدم مستقبلاً بطريقة لم يتوقعوها؟
أولاً: ما هو الستريك في سناب شات؟
الستريك هو ميزة تعتمد على استمرار تبادل الصور أو مقاطع الفيديو بين المستخدمين بصورة يومية. ويظهر رمز اللهب بجوار المحادثة مع رقم يعبر عن عدد أيام التواصل المتواصل.
ومع مرور الوقت، قد يتحول الحفاظ على الستريك إلى التزام اجتماعي غير معلن. فبعض المستخدمين يشعرون بأن عليهم إرسال صورة يومياً، حتى إن لم تكن هناك حاجة حقيقية للتواصل، خشية فقدان سلسلة الأيام المتراكمة.
المشكلة الأمنية ليست في ميزة الستريك نفسها، ولا يعني استخدام سناب شات تعرض المستخدم تلقائياً للاختراق أو الابتزاز. وإنما تتمثل الخطورة في التوسع غير المدروس في مشاركة الصور الشخصية، خصوصاً مع أشخاص لا توجد معرفة كافية بطبيعتهم أو مدى قدرتهم على حماية المحتوى الذي يتلقونه.
ثانياً: لماذا قد تكون الصور اليومية أكثر حساسية مما نعتقد؟
عند إرسال الصور بصورة متكررة، قد يفصح المستخدم تدريجياً عن تفاصيل شخصية لا تبدو مهمة عند النظر إلى كل صورة بصورة منفردة.
فقد تظهر في الصور ملامح الوجه من زوايا مختلفة، أو تفاصيل المنزل، أو مكان الدراسة والعمل، أو الزي المدرسي، أو أفراد الأسرة، أو الأصدقاء، أو عناصر تكشف الروتين اليومي.
ومع تراكم هذه الصور، يصبح بالإمكان تكوين تصور أكثر تفصيلاً عن الشخص وعلاقاته الاجتماعية وبيئته المحيطة، لا سيما إذا جرى دمجها مع المعلومات المتاحة في الحسابات العامة.
ولا يتطلب هذا السيناريو اختراق الحساب بالضرورة؛ فقد يكون مصدر الصور شخصاً استقبلها بصورة مشروعة، ثم أساء استخدامها أو أعاد مشاركتها دون موافقة صاحبها.
ثالثاً: هل تختفي صور سناب شات بصورة تضمن عدم استعادتها؟
يعتمد سناب شات على آليات لحذف عدد من الرسائل والصور بعد عرضها أو انتهاء مدتها، كما يقدم إعدادات خاصة بالحفظ والخصوصية. إلا أن اختفاء الصورة داخل التطبيق لا يعني بالضرورة استحالة الاحتفاظ بنسخة منها خارج نطاق سيطرة المرسل.
قد يتمكن المستلم من الاحتفاظ بالمحتوى باستخدام وسائل الحفظ المتاحة أو تصوير الشاشة، كما يمكن نظرياً تصوير شاشة الجهاز باستخدام جهاز آخر. ولذلك لا ينبغي التعامل مع خاصية الاختفاء باعتبارها ضماناً مطلقاً لعدم نسخ الصورة أو إعادة استخدامها.
ويجب التمييز بين حماية المنصة للبيانات وبين سلوك الشخص الذي يستقبل الصورة؛ فالإعدادات الأمنية يمكن أن تقلل بعض المخاطر، لكنها لا تضمن حسن نية جميع المستلمين.
رابعاً: كيف غيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة التهديد؟
في السابق، كان إساءة استخدام الصور الشخصية يرتبط غالباً بنشر الصورة الأصلية أو تعديلها بواسطة برامج تحرير تقليدية. أما اليوم، فقد أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو معدلة أو مصطنعة بدرجات متفاوتة من الواقعية.
1. التلاعب بملامح الوجه
قد تُستخدم صورة واضحة للوجه كمرجع لإنتاج محتوى جديد يحاكي ملامح الشخص أو لإدراج صورته ضمن مشهد لم يوجد فيه أصلاً. وتختلف دقة النتائج بحسب جودة الصورة والأداة المستخدمة والبيانات المتاحة.
2. إنتاج صور مفبركة ذات طابع حساس
يمكن إساءة استخدام بعض أدوات توليد الصور أو تعديلها لإنشاء صور توحي بوجود شخص في أوضاع محرجة أو حميمة، رغم أن تلك الأحداث لم تقع مطلقاً. ويُعد إنشاء هذا النوع من المحتوى دون موافقة الشخص انتهاكاً خطيراً لخصوصيته وكرامته.
والأخطر أن الصورة المفبركة قد تصبح وسيلة للضغط النفسي حتى عندما يدرك الضحية أنها غير حقيقية، بسبب الخوف من انتشارها أو سوء فهم الآخرين لها.
3. انتحال الهوية الرقمية
قد تُستخدم الصور الحقيقية أو المعدلة لإنشاء حسابات تنتحل شخصية الضحية، أو لخداع الأصدقاء والأقارب، أو لإضفاء المصداقية على محادثات احتيالية.
4. إنتاج مقاطع فيديو مزيفة
قد يجمع المعتدي بين صور الوجه وتقنيات توليد الفيديو لإنتاج مقاطع مضللة تنسب إلى الشخص أفعالاً أو مواقف لم تحدث. ولا ينبغي اعتبار أي فيديو دليلاً نهائياً على وقوع حدث بمجرد أنه يبدو واقعياً.
خامساً: كيف تتحول الصور إلى أداة للابتزاز الإلكتروني؟
يبدأ أحد سيناريوهات الاستغلال المحتملة ببناء علاقة ثقة بين شخصين عبر منصة اجتماعية، ثم تبادل الصور بصورة متكررة لفترة زمنية. وبعد الحصول على صور واضحة أو معرفة معلومات عن العلاقات الاجتماعية للمستخدم، قد يبدأ الطرف المسيء باستخدام الصور أو نسخ معدلة منها للتهديد.
قد يدّعي المبتز امتلاكه صوراً أو مقاطع حساسة، أو يعرض محتوى تم توليده بالذكاء الاصطناعي، ثم يهدد بنشره بين أفراد الأسرة أو الزملاء أو الأصدقاء، مقابل المال أو الحصول على صور إضافية أو تنفيذ مطالب أخرى.
وليس ضرورياً أن تكون الصور الأصلية حساسة. ففي بعض الحالات قد يبدأ التهديد بصورة شخصية عادية جرى تحويلها إلى محتوى مضلل أو مسيء.
ومن المهم التأكيد أن التزييف العميق لا يجعل المحتوى حقيقياً، وأن وجود صورة مزيفة لا يثبت قيام الشخص بالفعل الظاهر فيها. كما أن إرسال صورة شخصية بصورة طبيعية لا يمنح أي طرف الحق في استغلالها أو تعديلها أو استخدامها للتهديد.
سادساً: لماذا يشكل هذا الخطر تحدياً خاصاً للمراهقين والأطفال؟
قد يتعامل بعض المراهقين مع الستريك باعتباره مؤشراً على قوة الصداقة أو القبول الاجتماعي، مما يدفعهم إلى الاستمرار في إرسال الصور دون تقييم طبيعة العلاقة أو المخاطر المحتملة.
كما يمكن أن يستغل شخص سيئ النية الرغبة في المحافظة على الستريك لبناء علاقة طويلة المدى، أو جمع معلومات شخصية تدريجياً، أو الانتقال من تبادل الصور العادية إلى طلب محتوى أكثر خصوصية.
ومن أكثر الجوانب خطورة أن الضحية، خصوصاً إذا كان قاصراً، قد يشعر بالخوف أو الخجل من إبلاغ الأسرة عند تعرضه للتهديد. لذلك فإن بناء علاقة ثقة بين الأبناء وأولياء الأمور يُعد جزءاً أساسياً من الوقاية.
ويجب أن تكون الرسالة واضحة: الشخص الذي يتعرض للابتزاز يحتاج إلى الحماية والدعم، وليس إلى اللوم أو العقاب بسبب إبلاغه عن الواقعة.
سابعاً: هل يمكن اعتبار جميع مستخدمي الستريك معرضين للابتزاز؟
لا توجد قاعدة أمنية تفيد بأن جميع مستخدمي الستريك سيصبحون ضحايا للابتزاز، ولا يصح الادعاء بأن كل صورة تُرسل عبر سناب شات تنتقل تلقائياً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أو إلى جهات خارجية.
الخطر يعتمد على مجموعة من العوامل، منها طبيعة المحتوى المرسل، وهوية المستلم، ومدى الثقة به، وطريقة حفظ الصور، ووجود معلومات تعريفية إضافية عن الشخص، واحتمال إعادة مشاركة المحتوى.
وتكمن أهمية التوعية في تقليل فرص الاستغلال، وليس في إثارة الخوف من استخدام التقنية بحد ذاتها.
ثامناً: كيف نحمي أنفسنا من إساءة استخدام الصور؟
- تقليل مشاركة صور الوجه الواضحة: لا تجعل إرسال صورة شخصية شرطاً يومياً للمحافظة على الستريك، خصوصاً مع أشخاص لا تعرفهم جيداً.
- عدم مشاركة التفاصيل الحساسة: تجنب إظهار الوثائق الشخصية والعناوين والزي المدرسي ومواقع العمل والمعلومات العائلية الخاصة.
- مراجعة قائمة الأصدقاء: احذف الحسابات المجهولة أو التي لا توجد ضرورة لاستمرار التواصل معها.
- ضبط إعدادات الخصوصية: راجع من يمكنه التواصل معك ومشاهدة قصصك ومعلومات موقعك.
- عدم الاعتماد على اختفاء الصور وحده: افترض أن أي محتوى ترسله قد يكون قابلاً للاحتفاظ بنسخة منه.
- الحذر من طلب الصور المتكرر: خصوصاً عندما يقترن الطلب بالإلحاح أو التهديد بإنهاء العلاقة أو الضغط النفسي.
- تعزيز أمن الحساب: استخدم كلمة مرور قوية وفريدة، وفعّل المصادقة الثنائية، وراجع الأجهزة والجلسات المرتبطة بحسابك.
- حماية الأطفال: ناقش معهم الخصوصية الرقمية وآليات طلب المساعدة دون تخويف أو لوم.
تاسعاً: ماذا تفعل إذا هددك شخص بصور حقيقية أو معدلة بالذكاء الاصطناعي؟
إذا تعرضت للتهديد، فمن الضروري التعامل مع الموقف باعتباره حادثة أمنية تستدعي إجراءات واضحة، لا مجرد خلاف شخصي.
- لا تدفع المال ولا تستجب للمطالب: الدفع أو إرسال المزيد من الصور لا يضمن انتهاء الابتزاز.
- احتفظ بالأدلة: وثق رسائل التهديد وأسماء الحسابات والروابط والتواريخ وطلبات الدفع، مع مراعاة عدم إعادة تداول المحتوى الحساس.
- لا تدخل في مفاوضات مطولة: بعد توثيق الأدلة، أوقف التواصل واحظر الحساب المسيء.
- أبلغ منصة سناب شات: استخدم أدوات الإبلاغ عن الحسابات والمحتوى المسيء أو الصور الحميمة المنشورة دون موافقة.
- أبلغ الجهات المختصة: في السعودية، يمكن الإبلاغ عن الجرائم المعلوماتية عبر القنوات الأمنية الرسمية، بما فيها خدمة البلاغات المتاحة في تطبيق «كلنا أمن».
- اطلب الدعم: تواصل مع شخص موثوق، ولا تواجه التهديد بمفردك، خصوصاً إذا كنت قاصراً.
- أمّن حساباتك: إذا ظهرت مؤشرات على اختراق الحساب، غيّر كلمة المرور وراجع وسائل الاسترداد والجلسات النشطة.
وفي حالات انتشار الصور الحميمة دون موافقة، توجد مبادرات متخصصة للمساعدة في الحد من إعادة نشر بعض أنواع المحتوى، منها StopNCII.org للبالغين وTakeItDown.NCMEC.org للمحتوى المتعلق بمن كانوا دون الثامنة عشرة. وتختلف أهلية الاستخدام وآليات المعالجة من خدمة إلى أخرى.
عاشراً: مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية
لم تعد التوعية الأمنية مقتصرة على كلمات المرور والروابط المشبوهة، بل يجب أن تشمل إدارة الهوية البصرية، والخصوصية الرقمية، ومخاطر الصور الاصطناعية، وكيفية التحقق من المحتوى المرئي قبل تصديقه أو مشاركته.
ومن الضروري أن تتضمن برامج التوعية في المدارس والجامعات شرحاً مبسطاً لكيفية استغلال الصور الشخصية في انتحال الهوية والتزييف العميق، مع توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن التهديدات.
كما ينبغي التأكيد على أن إعادة نشر الصور المفبركة أو السخرية من ضحاياها قد يضاعف الضرر، حتى عندما يكون الشخص الذي يعيد النشر غير مشارك في إنشاء المحتوى الأصلي.
الحادي عشر: التحدي الجديد للأمن السيبراني
تفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي واقعاً جديداً يتطلب توسيع مفهوم الأمن السيبراني ليشمل حماية الهوية الرقمية للأفراد، وليس حماية الأجهزة والحسابات والأنظمة فقط.
فالصورة الشخصية قد تمثل جزءاً من الهوية الرقمية، ويمكن أن تصبح أداة لانتحال الشخصية أو التضليل أو الإضرار بالسمعة عندما تقع في الأيدي الخطأ.
وهذا يستدعي الانتقال من التفكير في أمن الحساب إلى التفكير في دورة حياة البيانات الشخصية: ما الذي نشاركه؟ ومع من؟ وما النسخ التي قد تبقى خارج سيطرتنا؟ وكيف نتصرف عند إساءة الاستخدام؟
الخاتمة: لا تجعل الحفاظ على الستريك أهم من حماية خصوصيتك
ليس الهدف من هذا المقال المطالبة بالتوقف عن استخدام سناب شات أو غيره من منصات التواصل، وإنما تعزيز الوعي بأن مشاركة الصور عبر الإنترنت تتطلب قدراً من المسؤولية يتناسب مع التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
لقد أصبح بالإمكان إنتاج محتوى مضلل باستخدام صور عادية، ولذلك فإن الثقة في الأشخاص لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل كامل لمبادئ الخصوصية الرقمية.
تذكر دائماً: الصورة التي ترسلها اليوم قد تبقى خارج سيطرتك مستقبلاً، والستريك الذي تخشى فقدانه أقل أهمية بكثير من خصوصيتك وسمعتك وسلامتك الرقمية.
بقلم: المهندس صهيب الجراح
Principal Cyber Security Engineer
suhibjarrah.com
